أصوات مهجَّرة: مسار مناصرة مجتمعية لتعزيز الاستجابة لقضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً في شمال وشرق سوريا، من التعبير إلى التأثير في مسار العودة
نحو عودة آمنة، وضمانات حقوقية، وتمثيل عادل للمهجّرين والمهجّرات

لماذا هذه الورقة الآن؟
تأتي هذه الورقة في لحظة مفصلية تشهد فيها قضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً من عفرين، ورأس العين/سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي، تحولات سياسية وميدانية متسارعة، أعادت طرح ملف العودة إلى الواجهة، دون أن تقترن حتى الآن بضمانات واضحة تكفل تحقيقها بصورة آمنة وطوعية وكريمة. وبينما يعاد فتح النقاش حول العودة، لا تزال جذور التهجير وآثاره المستمرة غائبة عن المعالجة الجدية، ويستمر التعامل مع القضية كملف جزئي أو مؤجل، بدل كونها قضية حقوقية قائمة بذاتها.
تستند هذه الورقة إلى مسار مناصرة تراكمي أطلقته مبادرة “أصوات مهجَّرة”، انتقل من كسر التهميش وإيصال الأصوات في مرحلته الأولى، إلى العمل على تحويل هذه الأصوات إلى أدوات تأثير وضغط في المرحلة الثانية. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على إتاحة مساحة للتعبير، بل بات مرتبطاً بمدى الاستجابة لهذه الأصوات، وترجمتها إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
تكتسب هذه الورقة أهميتها من كونها تنطلق من أصوات المهجّرين والمهجّرات أنفسهم، بوصفهم فاعلين وأصحاب مطلب محق، وتسعى إلى ربط مطالبهم بمسار العودة الجاري في ضوء التفاهمات القائمة، وتوجيهها نحو الجهات المعنية بشكل أكثر وضوحاً وتنظيماً. كما تهدف إلى إعادة تثبيت قضية التهجير القسري ضمن النقاش العام كأزمة إنسانية مستمرة وقضية حقوقية تتطلب المساءلة، والعدالة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إن إصدار هذه الورقة في هذا التوقيت يشكل محاولة لدفع النقاش القائم من مستوى الطرح العام إلى مستوى الالتزام الفعلي، عبر تقديم مطالب واضحة، وتوصيات قابلة للمتابعة، تسهم في تقليص الفجوة بين الواقع والاستجابة، وتعزز فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.
الملخص التنفيذي
تمثل هذه الورقة امتداداً لمسار مناصرة مجتمعية أطلقته مبادرة “أصوات مهجَّرة”، بهدف نقل قضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً من مستوى التهميش إلى موقع أكثر حضوراً وتأثيراً في النقاش العام المحلي. فبعد أن ركزت المرحلة الأولى على تجميع الأصوات الفردية وتحويلها إلى خطاب حقوقي جماعي، تسعى هذه المرحلة إلى توظيف هذا الخطاب كأداة ضغط فاعلة لتعزيز الاستجابة، والمساءلة، وربط المطالب بمسارات قائمة، وفي مقدمتها مسار العودة.
تستند هذه الورقة إلى مخرجات جلسات استماع ونقاش مجتمعي عقدت في مدينة الحسكة، جمعت مهجّرين ومهجّرات قسرياً مع فاعلين محليين، ووفرت مساحة لتحليل التحديات، وتحديد الأولويات، وصياغة رسائل مناصرة أكثر وضوحاً وتنظيماً. وقد أظهرت هذه العملية تحولاً واضحاً في طبيعة الخطاب، من التعبير عن المعاناة إلى بلورة مطالب جماعية قائمة على الحقوق، موجهة بشكل مباشر إلى الجهات المعنية.
تكشف مخرجات الورقة عن استمرار حالة الهشاشة وعدم الاستقرار التي يعيشها المهجّرون والمهجّرات، في ظل غياب حلول مستدامة، وضعف الاستجابة الحالية للاحتياجات، واستمرار التعامل مع التهجير القسري كملف إنساني مؤقت بمعزل عن مسارات العدالة الانتقالية، ما يحد من فرص المعالجة الشاملة والمنصفة. كما تبرز فجوة واضحة بين النقاشات الجارية حول العودة، وبين غياب الضمانات الفعلية التي تكفل تحقيقها بصورة آمنة وطوعية وكريمة. لا سيما في مسألة استعادة الممتلكات، وترك الأفراد لمواجهة هذا التحدي بشكل منفرد، خاصة في ظل عودة جزئية لبعض المهجّرين والمهجّرات في ضوء التفاهمات القائمة بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية في 29 كانون الثاني/ يناير.
وتكشف جلسات الاستماع أيضاً عن شعور مستمر بالتهميش وغياب الاعتراف، إلى جانب استمرار المخاطر الأمنية، حتى في ظل التحولات السياسية الأخيرة، ما يعكس محدودية أثر هذه التحولات على الواقع الفعلي للمهجّرين والمهجّرات.
وتؤكد الورقة أن التحدي لم يعد في تشخيص الواقع، بل في غياب الإرادة السياسية والآليات التنفيذية القادرة على ترجمة المطالب إلى إجراءات ملموسة. كما تسلط الضوء على استمرار التهميش، وضعف التمثيل، وغياب الثقة بالجهات المعنية، ما يحد من قدرة المهجّرين والمهجّرات على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
في هذا السياق، تقدم الورقة مجموعة من الرسائل والتوصيات العملية، الموجهة إلى الجهات المحلية، والمنظمات المدنية والحقوقية، وسائر الفاعلين المعنيين، بهدف دفع الاستجابة نحو مقاربة قائمة على الحقوق، وتعزيز المساءلة، وربط أي مسار للعودة بمبادئ العدالة وجبر الضرر.
تسعى هذه الورقة إلى الإسهام في تحويل الصوت المجتمعي إلى تأثير فعلي، من خلال تقديم رؤية متماسكة تربط بين الواقع، والنقاشات القائمة، والمسؤوليات المطلوبة، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة لقضية التهجير القسري.
سياق القضية
على الرغم من مرور سنوات على موجات التهجير القسري التي طالت عشرات آلاف المدنيين من مناطق عفرين، ورأس العين/سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي، لا تزال معاناة المهجّرين والمهجّرات مستمرة بأشكال متعددة، في ظل غياب حلول مستدامة، وضعف التمثيل، وتراجع حضور قضيتهم/ن في النقاشات العامة وصنع القرار المحلي. يعيش المهجّرين والمهجّرات اليوم في مدينة الحسكة ومحيطها واقعاً مركّباً من الهشاشة الاقتصادية، وانعدام الاستقرار، وضعف الوصول إلى الحقوق الأساسية، وسط شعور متزايد بالتهميش وغياب الاعتراف بمعاناتهم/ن بوصفها قضية إنسانية وحقوقية قائمة.
تنطلق هذه الورقة من مبادرة «أصوات مهجَّرة» بوصفها مسار مناصرة مجتمعية يهدف إلى كسر هذا التهميش، وإعادة تمكين المهجّرين والمهجّرات من التعبير عن مطالبهم/ن بأنفسهم/ن، وتحويل تجاربهم/ن الفردية إلى خطاب حقوقي جماعي منظم. لا تتعامل الورقة مع المهجّرين والمهجّرات كمتضررين فحسب، بل كأصحاب قضية وفاعلين أساسيين في صياغة المطالب وتحديد الأولويات، والمساهمة في النقاش حول مستقبلهم/ن.
تأتي هذه الورقة في سياق إنساني وحقوقي معقّد، حيث تستمر أوضاع المهجّرين والمهجّرات في التدهور، سواء داخل المخيمات أو خارجها، في ظل تحديات متراكمة تتعلق بالسكن، وسبل العيش، والخدمات الأساسية، والأمان، والتمثيل. ورغم مرور سنوات على التهجير، لا تزال القضية تعاني من تراجع واضح في مستوى الاهتمام العام والمؤسسي، وتُطرح غالباً كملف إنساني مؤقت، بدلاً من التعامل معها كقضية حقوقية ذات آثار طويلة الأمد على الأفراد والمجتمع المحلي ككل. وقد انعكس هذا الواقع في محدودية إدماج الاحتياجات ضمن الخطط المحلية، وضعف مشاركتهم/ن في النقاشات العامة وصنع القرار، وغياب قنوات منتظمة لنقل مطالبهم/ن بشكل مباشر إلى الجهات المعنية.
تتضاعف هذه التحديات بالنسبة للنساء المهجّرات، اللواتي يتحمّلن أعباء مركّبة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، في ظل محدودية فرص الوصول إلى العمل والخدمات، وضعف الحماية، وتراجع فرص المشاركة في مساحات التأثير وصنع القرار للتعبير عن أولوياتهن الخاصة. وغالباً ما تكون أصواتهن مغيبة عن تمثيل قضيتهن في الخطاب العام، أو تُختزل ضمن أطر إنسانية عامة لا تعكس تعقيد تجاربهن.
لا يمكن فصل هذا الواقع عن السياق السياسي والعسكري الذي شهدته مناطق عفرين، ورأس العين/سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي منذ عام 2018، وما رافقه من تغييرات ديمغرافية وأنماط سيطرة متعددة أسهمت في تعقيد مسألة العودة ومنع تحققها حتى اليوم. فقد تعرّضت بعض هذه المناطق، وعلى رأسها عفرين، لعمليات تهجير قسري متكررة، بدأت مع سيطرة القوات التركية وفصائل سورية مدعومة منها عام 2018، وما تبعها من تهجير واسع للسكان الأصليين واستقرارهم في مناطق النزوح، لا سيما في الشهباء ومحيطها، قبل أن يتعرضوا لموجة تهجير جديدة في نهاية عام 2024 في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي رافقت سقوط النظام السوري. كما شهدت مناطق رأس العين/سري كانيه وتل أبيض موجات تهجير قسري واسعة، حيث نزح نحو 150 ألف شخص خلال الأسبوع الأول من العملية العسكرية التركية وفق تقديرات أممية آنذاك، واستمر حرمانهم من العودة الآمنة والطوعية لسنوات لاحقة. ومع التحولات السياسية الأخيرة، بما في ذلك التفاهمات القائمة بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، والتي أعادت طرح ملف العودة بشكل جزئي عبر تسيير بعض قوافل العودة إلى عفرين، وفتح نقاشات أولية حول مناطق أخرى، لا يزال هذا المسار يفتقر إلى ضمانات واضحة تكفل تحقيق عودة آمنة وطوعية وكريمة، وتضمن حماية الحقوق ومنع تكرار الانتهاكات.
تعكس هذه الورقة حصيلة مسار تشاركي امتد عبر جلسات استماع ونقاش مجتمعي، نقلت مخرجاتها إلى الفضاء العام والحوار مع الفاعلين المحليين، وصولاً إلى صياغة رسائل مناصرة جماعية. وتستند إلى أصوات المشاركين/ات أنفسهم/ن، مسلطة الضوء على أولويات تشمل: التهجير المستمر وغياب الحلول، الحق في العمل، الأمان، الخدمات الأساسية، التمثيل، والحق في العودة الآمنة والطوعية والكريمة.
لا تهدف هذه الورقة إلى التوثيق بقدر ما تسعى إلى إعادة إدراج قضية المهجّرين والمهجّرات ضمن الأجندة العامة، وفتح نقاش مسؤول مع الفاعلين المحليين وصنّاع القرار حول المسؤوليات القانونية والأخلاقية، بما يعزز الاعتراف بالقضية ويدعم مسارات حلول عادلة ومستدامة تحفظ الكرامة والحقوق.
هامش قانوني
تستند هذه الورقة إلى أحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، اللذين يجرّمان التهجير القسري ويصنّفانه كجريمة حرب، وقد يرقى، عند ارتكابه على نطاق واسع أو بشكل ممنهج، إلى جريمة ضد الإنسانية وفق المادة (7) من نظام روما الأساسي. كما يستند إلى ما تكفله هذه الأطر القانونية من حقوق أساسية للمهجّرين والمهجّرات، وفي مقدمتها الحق في العودة الطوعية والآمنة والكريمة، والحق في السكن اللائق، والعمل، والصحة، والمشاركة في الشأن العام.ويؤكد الإطار القانوني الدولي كذلك مسؤولية السلطات المحلية والجهات المعنية في حماية حقوق المهجّرين والمهجّرات داخلياً، وضمان وصولهم إلى المعلومات والخدمات الأساسية، وإشراكهم بصورة فعلية في القرارات والسياسات التي تؤثر بشكل مباشر على حياتهم ومستقبلهم.
منهجية العمل
تعتمد هذه الورقة على منهجية تشاركية قائمة على إشراك المهجّرين والمهجّرات قسرياً بوصفهم أصحاب قضية وفاعلين أساسيين في تحليل واقعهم وصياغة مطالبهم، وليسوا مجرّد متلقّين للدعم أو موضوعاً للخطاب الإنساني. وقد صُمّم مسار العمل بما يتيح الانتقال من التعبير عن التجربة إلى بلورة رسائل مناصرة واضحة وموجّهة نحو التأثير في النقاشات والسياسات القائمة.
استندت الورقة إلى مجموعة من جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي التي عُقدت في مدينة الحسكة، وجمعت مهجّرين ومهجّرات من مناطق عفرين، ورأس العين/سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي، إلى جانب فاعلين/ات محليين/ات وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. وفّرت هذه الجلسات مساحة آمنة لتبادل تجارب التهجير، وتحليل التحديات والآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، مع التركيز على القضايا المرتبطة بالعودة، والضمانات المطلوبة، واستمرار التهجير كواقع قائم.
اعتمدت الجلسات أدوات حوار تشاركية أتاحت الانتقال من السرد الفردي إلى فهم جماعي للقضايا، وأسهمت في بلورة أولويات مشتركة ورسائل مناصرة قائمة على الحقوق، تعكس واقع المهجّرين والمهجّرات وتربطه بالسياق السياسي والتحولات الجارية. كما أظهرت هذه العملية تحوّلاً في الخطاب من التركيز على عرض المعاناة إلى المطالبة بإجراءات ملموسة وضمانات واضحة.
في مرحلة لاحقة، جرى نقل مخرجات هذه الجلسات إلى الفضاء العام من خلال حوار مباشر مع فاعلين/ات محليين/ات وصنّاع قرار وممثلين/ات عن منظمات المجتمع المدني والإعلام المحلي، عزّز الربط بين الصوت المجتمعي ومسارات النقاش وصنع القرار، وساهم في اختبار مدى الاستجابة لهذه المطالب ضمن السياق الحالي.
حرصت المنهجية على تجميع وتحليل مخرجات مسار المناصرة في هذه الورقة، بما يشمل القضايا الرئيسية، والرسائل، والتوصيات التي تتناول، في جزء أساسي منها، مراحل ما قبل العودة، وأثناءها، وما بعدها، مع الحرص على عكس صوت المشاركين/ات بصورة دقيقة ومسؤولة. كما حافظت المنهجية طوال مراحلها، على إدماج منظور النوع الاجتماعي، من خلال تعزيز مشاركة النساء المهجّرات في النقاش وصياغة الرسائل وتحديد أولوياتهن.
إلى جانب ذلك، التزمت المنهجية بمبادئ الحماية، وعدم تعريض المشاركين/ات لأي مخاطر، واحترام مبدأ «عدم إلحاق الضرر»، وتجنّب أي توثيق مباشر قد يعرّضهم/ن للمساءلة أو الاستهداف.
بهذا النهج، لا تقدم هذه الورقة كتوثيق منفصل، بل كامتداد لمسار مناصرة مجتمعية يسعى إلى تحويل الصوت الجماعي للمهجّرين والمهجّرات إلى أداة تأثير فعلية في النقاشات والسياسات المرتبطة بالعودة وحقوق المهجّرين/ات.

واقع التهجير والتحديات الرئيسية
تنطلق المحاور الواردة في هذا القسم من قراءة تحليلية لمخرجات جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي التي أتيحت فيها مساحة مباشرة للمهجّرين والمهجّرات قسرياً للتعبير عن تجاربهم/ن وتحديد أولوياتهم/ن. وقد جرى التعامل مع هذه المخرجات باعتبارها تعكس أنماطاً بنيوية لواقع التهجير الممتد، وليس مجرد تجارب فردية معزولة.
وعليه، لا تقدم هذه المحاور سرداً منفصلاً للتحديات، بل تبلور القضايا الأكثر تكراراً وترابطاً كما عبّر عنها المشاركون/ات، ضمن إطار تحليلي يهدف إلى فهم طبيعة الهشاشة المستمرة التي تنتجها حالة التهجير، وكيف تتقاطع أبعادها المختلفة في حياة المهجّرين والمهجّرات اليومية. وتشكّل هذه المحاور الأساس الذي بنيت عليه الرسائل والتوصيات الواردة في هذه الورقة، بما يعكس انتقالاً من توصيف الواقع إلى صياغة مطالب قائمة على الحقوق.
- السكن وبيئة العيش
أظهرت جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي أن قضية السكن تمثل أحد أبرز أوجه الهشاشة التي يعيشها المهجّرون والمهجّرات قسرياً في مدينة الحسكة ومحيطها، حيث يواجه العديد منهم/ن صعوبات متزايدة في الوصول إلى سكن آمن ومناسب، في ظل الارتفاع المستمر في الإيجارات وغياب أي آليات تنظيم فعّالة لسوق العقارات أو تدخلات حمائية من الجهات المعنية.
وقد أدى هذا الواقع إلى ضغوط اقتصادية متفاقمة على العائلات المهجّرة، تمثلت في الرفع المتكرر وغير المنظم للإيجارات، وتهديد عدد من الأسر بالإخلاء في حال عدم قدرتها على الدفع، ما يضعها في حالة عدم استقرار سكني دائم. كما أشار المشاركون/ات إلى محدودية الخيارات المتاحة أمامهم/ن، واضطرار بعض العائلات للانتقال المتكرر بين مساكن غير مستقرة أو غير ملائمة.
وفي السياق ذاته، برزت تحديات داخل المخيمات ومراكز الإيواء، حيث أشار المشاركون/ات إلى صعوبات في الوصول إلى مأوى، وفي بعض الحالات إلى ممارسات استغلال مرتبطة بتوفير الخيام أو أماكن الإقامة مقابل مبالغ مالية، ما يعكس غياب آليات رقابة واضحة وتنظيم عادل لعملية التوزيع.
بناءً على ذلك، طالب المشاركون/ات بوضع آليات تنظيم واضحة وشفافة لسوق الإيجارات تحدّ من الاستغلال والارتفاع غير المبرر للأسعار، إلى جانب توفير حلول سكنية ميسّرة تراعي أوضاع المهجّرين والمهجّرات كفئة متأثرة بشكل مباشر بالتهجير القسري. كما شددوا/ن على ضرورة تحسين إدارة مراكز الإيواء والمخيمات وضمان الوصول العادل إليها دون تمييز أو استغلال، مع تفعيل آليات رقابة ومساءلة للحد من الممارسات غير القانونية.
- الخدمات الأساسية
أشار المشاركون/ات في جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي إلى تدهور واضح في مستوى الخدمات الأساسية في مدينة الحسكة والمناطق المحيطة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمهجّرين والمهجّرات قسرياً ويزيد من حدة الهشاشة التي يعيشونها.
ويُعدّ قطاع المياه من أبرز التحديات، حيث تعتمد العديد من العائلات على صهاريج مياه مرتفعة التكلفة في ظل صعوبة الوصول إلى مصادر مياه آمنة ومنتظمة، ما يفرض أعباء اقتصادية إضافية على الأسر التي تعاني أساساً من محدودية الدخل. كما يمتد هذا التدهور ليشمل الخدمات الصحية، في ظل محدودية النقاط الطبية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الأساسية، إلى جانب الضغط المتزايد على البنية التحتية في مناطق الاستضافة، ما يفاقم من تراجع جودة الخدمات العامة، ويعكس هذا الواقع فجوة متزايدة بين حجم الاحتياج الفعلي ومستوى الاستجابة المقدمة، ما يضع المهجّرين والمهجّرات في موقع هشّ فيما يتعلق بوصولهم/ن إلى الحقوق والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، شدد المشاركون/ات على ضرورة تحسين البنية التحتية للخدمات الأساسية، وضمان توزيع عادل لها يراعي أوضاع المهجّرين والمهجّرات كفئة تعيش ظروفاً استثنائية، إضافة إلى تعزيز استجابة الجهات الخدمية لاحتياجاتهم/ن ضمن خطط أكثر شمولاً وعدالة.

- سبل العيش والعمل
تشكل محدودية فرص العمل وغياب مصادر الدخل المستقرة أحد أبرز التحديات التي يواجهها المهجّرون والمهجّرات قسرياً وفق ما أشاروا أليه المشاركون/ات في جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي، سواء داخل المخيمات أو خارجها. ويؤدي هذا الواقع إلى ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، في ظل ضعف القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للأسر.
ورغم مرور سنوات على التهجير، ما تزال أوضاع المهجّرين والمهجّرات تُدار في كثير من الحالات كظرف مؤقت، دون تطوير حلول اقتصادية مستدامة أو برامج سبل عيش قادرة على الاستجابة لحجم الاحتياج الفعلي، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة التي تبقى غالباً خارج نطاق الدعم أو البرامج القائمة.
كما أشار المشاركون/ات إلى محدودية إدماجهم/ن في مشاريع المنظمات وبرامج الدعم الاقتصادي، سواء من حيث فرص العمل أو الأنشطة المدرة للدخل، بما في ذلك داخل المخيمات نفسها، ما يعمّق الشعور بالإقصاء ويحدّ من فرص الاعتماد على الذات. ويعكس هذا الواقع بالنسبة لهم/لهن أزمة دخل، استقرار، وكرامة، حيث يشكل العمل بالنسبة للمهجّرين والمهجّرات عنصراً أساسياً لإعادة بناء الحياة وتقليل مستويات التهميش والاعتماد القسري على المساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، دعا المشاركون/ات إلى تعزيز فرص العمل، وتطوير برامج سبل عيش مستدامة، وضمان وصول عادل وشفاف إلى الدعم الاقتصادي، مع الانتقال من الاستجابات المؤقتة إلى مقاربات تنموية تراعي واقع التهجير الممتد.
- التعليم
يمثل التعليم أحد أبرز التحديات البنيوية المرتبطة بالتهجير القسري، نظراً لارتباطه المباشر باستقرار الأسر ومستقبل الأطفال والشباب، وكونه شرطاً أساسياً لأي مسار تعافٍ أو عودة آمنة.
ويواجه المهجّرون والمهجّرات صعوبات متعددة في الوصول إلى تعليم منتظم وذو جودة، سواء في مناطق الاستضافة أو في مناطق الأصل، في ظل تراجع البنية التحتية التعليمية، ونقص الكوادر، وغياب بيئات تعليمية مستقرة. كما تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل المدارس وتجهيزها بما يضمن استمرارية العملية التعليمية دون انقطاع.
وبالإضافة إلى الجوانب الخدمية، برزت مطالب تتعلق بمضمون التعليم نفسه، بما في ذلك تطوير مناهج تراعي التنوع العرقي والثقافي، وضمان الحق في التعليم باللغة الأم، إلى جانب إعداد كوادر تعليمية من أبناء المنطقة، بما يعزز الارتباط بالمجتمع المحلي ويخفف من فجوة الانتماء.
كما شدد المشاركون/ات على أهمية توفير وسائل تعليم حديثة، وإنشاء مراكز امتحانية محلية لتخفيف الأعباء المادية واللوجستية عن الطلبة، خصوصاً أولئك الذين يضطرون للتنقل لمسافات طويلة لإتمام امتحاناتهم. ويؤكد هذا المحور أن التعليم يُعدّ ركيزة لإعادة بناء الاستقرار الاجتماعي وتمكين أي مسار عودة آمنة ومستدامة وكريمة.
- المخيمات ومراكز الإيواء
تعكس أوضاع المخيمات ومراكز الإيواء التي يقيم فيها عدد كبير من المهجّرين والمهجّرات قسرياً مستوى متقدماً من الهشاشة في ظروف العيش، حيث تستمر الاعتماد على بنى تحتية مؤقتة لم تُحدث بشكل كافٍ منذ سنوات، ولا توفر الحد الأدنى من مقومات الحماية والاستقرار.
وتبرز مشكلة الخيم المهترئة التي ما تزال مستخدمة منذ فترات طويلة دون استبدال أو صيانة مناسبة، ما يجعلها غير قادرة على مواجهة الظروف المناخية القاسية، سواء في فصل الشتاء أو الصيف. كما تعاني هذه المواقع من ضعف في البنية التحتية العامة، بما في ذلك الطرق غير المعبدة وتراكم الطين في الشتاء، ما يعيق الحركة اليومية ويزيد من صعوبة الوصول إلى الخدمات.
وفي السياق ذاته، أشار المشاركون/ات إلى تراجع تدريجي في الخدمات الأساسية داخل المخيمات ومراكز الإيواء، بما في ذلك انسحاب أو ضعف بعض النقاط الطبية، وتذبذب أو توقف الدعم المقدم لمواد أساسية مثل الخبز ومادة المازوت، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الأمن المعيشي للسكان.
كما ترتبط هذه الظروف بتحديات اجتماعية متزايدة، من بينها انتشار بعض الظواهر السلبية داخل بيئات الهشاشة، مثل عمالة الأطفال المبكرة، وزواج القاصرات، إضافة إلى حالات استغلال مرتبطة بالحصول على المأوى أو الخدمات.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى حاجة ملحّة لإعادة النظر في إدارة المخيمات ومراكز الإيواء، من خلال تحسين البنية التحتية، واستعادة واستقرار الخدمات الأساسية، وتعزيز آليات الحماية والمساءلة، بما يضمن كرامة المهجّرين والمهجّرات ويحد من استمرار الهشاشة كحالة دائمة.

- العودة الآمنة كحق غير قابل للتأجيل
تشكّل قضية العودة الآمنة والطوعية والكريمة أحد أبرز الأولويات التي عبّر عنها المهجّرون والمهجّرات قسرياً خلال جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي، بوصفها الحل الأكثر استدامة لإنهاء حالة التهجير المستمر، وليس مجرد خيار سياسي أو إنساني مؤجل.
ويرتبط هذا الحق، بحسب ما ورد في النقاشات، بمجموعة من الشروط الأساسية التي لا يمكن فصله عنها، وفي مقدمتها توفير بيئة آمنة خالية من الانتهاكات ومخلفات الحرب، وضمان استعادة الممتلكات والأراضي وفق آليات واضحة وعادلة، واتخاذ خطوات جدية لمعالجة آثار التغيير الديمغرافي الناتج عن التهجير. كما يشمل ذلك تأمين الخدمات الأساسية بشكل فعّال ومستقر، بما في ذلك المياه والكهرباء والصحة والتعليم، إضافة إلى دعم العائدين والعائدات مادياً لإعادة بناء حياتهم/هن، بما يشمل ترميم المنازل المتضررة وتوفير مقومات الاستقرار الاقتصادي.
كما شدد المشاركون/ات على أهمية إشراك المهجّرين والمهجّرات بشكل مباشر في عمليات التخطيط والإدارة المتعلقة بالعودة، بما في ذلك إدارة المؤسسات المدنية والأمنية والخدمية بما يعزز الاستقرار والثقة، وبما يضمن أن تكون هذه العملية نابعة من احتياجاتهم/ن الفعلية وليس مفروضة من الخارج. وفي السياق ذاته، تم التأكيد على ضرورة وجود آليات رقابة مستقلة تضمن الشفافية وجدية التنفيذ، إلى جانب ضمان مرافقة المنظمات المدنية والحقوقية المحلية والدولية، والإعلام المستقل، لعمليات العودة، بما يعزز الرقابة ويوفر الدعم الإنساني اللازم.
وتؤكد النقاشات أن التحديات المرتبطة بالعودة لا تزال قائمة، سواء من حيث غياب الضمانات الفعلية أو محدودية الإجراءات العملية على الأرض، ما يجعل هذا الحق في كثير من الحالات مؤجلاً أو مجتزأً، رغم كونه حقاً أصيلاً غير قابل للتجزئة أو المساومة. وانطلاقاً من ذلك، برزت ضرورة ضمان عودة آمنة وطوعية وكريمة ضمن إطار واضح ومعلن، وبمشاركة فاعلة من المهجّرين والمهجّرات، وبآليات تنفيذ محددة وشفافة، بما يضمن تحويل هذا الحق من مطلب إلى مسار قابل للتحقق على أرض الواقع.
الأنماط المشتركة والتقاطعات البنيوية لواقع التهجير
تكشف المحاور المطروحة في هذه الورقة عن صورة مترابطة ومعقّدة لواقع التهجير القسري، حيث لا تظهر التحديات التي يواجهها المهجّرون والمهجّرات بوصفها قضايا منفصلة، بل كمنظومة متداخلة من الهشاشة وعدم الاستقرار طويل الأمد. يتقاطع ضعف سبل العيش مع تدهور الخدمات الأساسية، ويرتبط غياب الأمان بتعقيد مسارات العودة، بينما يفاقم ضعف التمثيل وغياب المشاركة من صعوبة إيصال المطالب والتأثير في القرارات. ويعكس هذا الترابط بنية أوسع من القصور في الاستجابة، سواء على المستوى المحلي أو المؤسسي، بما في ذلك الجهات الحكومية المعنية.
كما تعكس هذه التقاطعات أن التهجير لم يعد حالة طارئة يمكن التعامل معها عبر استجابات جزئية أو مؤقتة، بل تحوّل إلى واقع بنيوي يتطلب مقاربة شاملة قائمة على الحقوق، تعالج الأسباب الجذرية للقضية، وتربط بين الاستجابة الإنسانية ومسارات العدالة والإنصاف.
وتُظهر النقاشات أن استمرار التعامل مع التهجير القسري كملف إنساني مؤقت، بمعزل عن كونه قضية حقوقية تتطلب المعالجة والمساءلة، ويحدّ من فرص الوصول إلى حلول مستدامة. في المقابل، يبرز إدراك متزايد لدى المشاركين/ات بأن أي استجابة فعّالة يجب أن تقوم على الاعتراف بالقضية، وتعزيز المساءلة، وضمان مشاركة المهجّرين والمهجّرات في صياغة الحلول التي تمس حياتهم ومستقبلهم. كما يبرز غياب دور فاعل وواضح لمؤسسات الحكومة السورية الانتقالية في معالجة القضايا الجوهرية، وعلى رأسها استعادة الممتلكات، وتنظيم العودة، وضمان الحقوق الأساسية، ما يترك المهجّرين والمهجّرات في مواجهة هذه التحديات بشكل فردي. من جهة أخرى تبرز مجموعة من الاستنتاجات الأساسية:
1. استمرار تأجيل ملف العودة يسهم في تعميق الأزمة وإطالة أمدها، ويعمّق من حالة فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها.
2. غياب مسارات العدالة والمساءلة يهدد فرص تحقيق استقرار مستدام.
3. تهميش المهجّرين والمهجّرات وإقصاؤهم من عمليات صنع القرار يضعف فعالية أي حلول مطروحة.
وفي ضوء تلك الاستنتاجات، تبرز الحاجة إلى إحداث تحول واضح في طبيعة الاستجابة، يقوم على الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ الفعلي، والتحول من مقاربات الإغاثة المؤقتة إلى مقاربة قائمة على الحقوق، وتجاوز الاستجابات الجزئية نحو تبنّي حلول شاملة ومستدامة، تضطلع فيها الجهات الحكومية بدور واضح ومسؤول، إلى جانب باقي الفاعلين، بما يضمن معالجة جذور القضية وليس فقط مظاهرها. ويفتح المجال أمام مسارات حقيقية للحل، وفي مقدمتها ضمان الحق في العودة الآمنة والطوعية والكريمة.

التوصيات
تنطلق هذه التوصيات من مخرجات جلسات الاستماع والنقاش المجتمعي ضمن مبادرة «أصوات مهجَّرة»، والتي عكست بشكل مباشر أولويات المهجّرين والمهجّرات قسرياً، والفجوات القائمة في الاستجابة الحالية. ولا تقتصر هذه التوصيات على توصيف الاحتياجات، بل تسعى إلى تقديم مسارات عملية قابلة للتنفيذ، تربط بين الواقع والمسؤوليات الواقعة على عاتق الجهات المعنية.
كما تستند إلى مقاربة قائمة على الحقوق، تهدف إلى تعزيز المساءلة، وضمان مشاركة المهجّرين والمهجّرات في صياغة الحلول، بما يساهم في الانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى معالجة مستدامة وشاملة لقضية التهجير القسري.
• إدراج قضية التهجير القسري كأولوية ملحّة ضمن السياسات العامة وربطها بمسارات العدالة والإنصاف
توصي هذه الورقة بضرورة التعامل مع قضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً كأولوية ملحّة ضمن السياسات العامة، وعدم الاستمرار في مقاربتها كملف إنساني ثانوي أو مؤقت. ويشمل ذلك إدماج القضية بشكل واضح ضمن خطط واستراتيجيات الجهات المعنية، وعلى رأسها الحكومة السورية الانتقالية، بما يعكس حجمها كأزمة ممتدة ذات آثار عميقة على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي.
كما تؤكد التوصية على ضرورة ربط أي استجابة لقضية التهجير القسري بمسارات العدالة والإنصاف، بما في ذلك الاعتراف بالانتهاكات التي أدت إلى التهجير، والعمل على معالجتها ضمن إطار أوسع للعدالة الانتقالية، يضمن جبر الضرر، والمساءلة، وعدم التكرار. ويعني ذلك الانتقال من التعامل مع التهجير كحالة إغاثية إلى مقاربة قائمة على الحقوق، تعالج الأسباب الجذرية للأزمة وليس فقط آثارها.
وتشدد التوصية على أن استمرار تهميش القضية أو تأجيلها ضمن الأجندات السياسية يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المهجّرين والمهجّرات والجهات المعنية، ويقوّض فرص الوصول إلى حلول مستدامة. وفي المقابل، فإن الاعتراف الجدي بالقضية وإدراجها ضمن أولويات العمل العام يشكل خطوة أساسية نحو بناء استجابة أكثر عدالة وفعالية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفصل بين الحقوق الأساسية للمهجّرين والمهجّرات، وعلى رأسها الحق في العودة، وبين أي اعتبارات سياسية أو تفاوضية، بما يضمن عدم إخضاع هذه الحقوق لمنطق المساومة، والتأكيد على أنها التزامات قانونية وأخلاقية واجبة التنفيذ.
• ضمان مشاركة المهجّرين والمهجّرات وتمثيلهم الفعلي في صنع القرار وتعزيز الوصول إلى المعلومات
تظهر مخرجات الجلسات الحاجة الملحّة إلى تمكين المهجّرين والمهجّرات من المشاركة الفعلية في عمليات صنع القرار المرتبطة بقضيتهم، بما يتجاوز الأدوار الشكلية أو الاستشارية المحدودة. ويشمل ذلك تطوير آليات تمثيل أكثر شمولاً وشفافية، تعكس تنوّع تجاربهم واحتياجاتهم، وتضمن نقل مطالبهم بشكل مباشر إلى الجهات المعنية، بما يعزز قدرتهم على التأثير في السياسات والبرامج التي تمس حياتهم/ن.
كما تؤكد التوصية على أهمية إشراك المهجّرين والمهجّرات في تصميم وتنفيذ ومتابعة السياسات والخطط المرتبطة بالاستجابة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالعودة، والخدمات، وسبل العيش، بما يضمن أن تكون هذه التدخلات قائمة على الاحتياجات الفعلية، وليست منفصلة عن الواقع.
وفي السياق ذاته، تكشف النقاشات عن فجوة واضحة في الوصول إلى المعلومات، ما يستدعي إنشاء قنوات ومنصات واضحة وموثوقة تتيح للمهجّرين والمهجّرات الحصول على معلومات دقيقة حول حقوقهم، والخدمات المتاحة، وآليات الدعم، والإجراءات المتعلقة بالعودة واستعادة الممتلكات. ويمكن أن يتضمن ذلك إنشاء مكاتب معلومات متخصصة أو منصات تنسيقية بإشراف الجهات المعنية، تضمن الشفافية وسهولة الوصول.
وتشدد التوصية على أن غياب التمثيل الحقيقي وضعف الوصول إلى المعلومات يؤدي إلى التهميش ويحدّ من فعالية أي استجابة مقدّمة لهم/ن، ويعمّق فجوة الثقة مع المؤسسات المعنية. وعليه، فإن تعزيز المشاركة والشفافية يشكّل مدخلاً أساسياً لبناء استجابة أكثر عدالة وفاعلية، قائمة على الشراكة مع أصحاب القضية أنفسهم.
• توفير الأمان والحماية في مناطق العودة والاستقرار
ضمان الأمان والحماية في مناطق العودة والاستقرار يشكّل شرطاً أساسياً لأي مسار عودة آمنة وطوعية وكريمة، ولا يمكن فصله عن أي استجابة جدّية لقضية التهجير القسري. ويشمل ذلك توفير بيئة خالية من الانتهاكات ومخلفات الحرب، وضمان سلامة المدنيين في المناطق التي يعودون إليها أو يستقرون فيها، بما يحدّ من المخاطر المباشرة التي تهدد حياتهم.
كما يرتبط تحقيق هذا الأمان بوجود إجراءات واضحة وفعّالة من قبل الجهات المعنية، بما في ذلك الحكومة السورية الانتقالية، لضمان استقرار الأوضاع الأمنية ومنع أي ممارسات قد تعيد إنتاج مخاطر التهجير أو تعيق العودة. ويُعد هذا البند أساسياً لتهيئة الحد الأدنى من الثقة اللازمة لبدء أي مسار عودة حقيقي ومستدام.
• تحسين سبل العيش وتوسيع فرص العمل دون إقصاء
تتطلب الاستجابة الفعّالة لقضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً إدماجهم بشكل عادل في برامج سبل العيش وفرص العمل، بما يضمن عدم استبعادهم من التدخلات الاقتصادية سواء داخل المخيمات أو في مناطق الاستقرار. ويشمل ذلك منحهم/ن أولوية حقيقية في الفرص المتاحة ضمن برامج المنظمات والجهات الفاعلة، باعتبارهم/ن من الفئات الأكثر تضرراً وهشاشة.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير برامج تدريب مهني مرتبطة باحتياجات السوق المحلي، بما يعزز فرص الاستدامة الاقتصادية ويحدّ من الاعتماد الطويل الأمد على المساعدات الإنسانية. وفي السياق ذاته، يُعد تنظيم قواعد بيانات عادلة وشفافة للمهجّرين والمهجّرات أداة أساسية لضمان توزيع منصف للدعم، وتقليل الفجوات في الوصول إلى الفرص. كما يعتبر سبل العيش والعمل عنصراً أساسياً للاستقرار وليس مجرد دعم معيشي، إذ إن غيابها يفاقم الهشاشة ويعيق أي مسار تعافٍ أو عودة مستدامة.
• تحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية
تتطلب الاستجابة لقضية المهجّرين والمهجّرات قسرياً تحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية بشكل شامل وعادل، بما يشمل المياه، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة. ويبرز بشكل خاص القطاع الصحي، في ظل النقص في النقاط الطبية داخل المخيمات وصعوبة الوصول إلى خدمات علاجية مجانية أو مدعومة في مراكز المدن، ما يفرض أعباء مالية تفوق قدرة العديد من العائلات.
كما تُعد معالجة أوضاع السكن غير اللائق داخل المخيمات وخارجها أولوية ملحّة، في ظل استمرار الاعتماد على مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية والسلامة. ويشمل ذلك تحسين البنية التحتية، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، وضمان استجابة تراعي التوزيع العادل للاحتياجات بين المهجّرين والمهجّرات والمجتمعات المستضيفة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تحسين الخدمات عن الاستقرار العام، إذ يشكّل ضعفها عاملاً مباشراً في تعميق الهشاشة وإعاقة أي مسار تعافٍ أو عودة مستدامة، ما يستدعي انتقالاً من الاستجابة الجزئية إلى مقاربة شاملة قائمة على الحقوق والعدالة في الوصول إلى الخدمات.
• معالجة التحديات الخاصة بالنساء المهجّرات وتعزيز الحماية والمشاركة
يعد إدماج منظور النوع الاجتماعي في جميع السياسات والبرامج ذات الصلة، نظراً للتحديات المركّبة التي تواجهها النساء المهجّرات مقارنة بباقي الفئات. وتشمل هذه التحديات تزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسرة، خاصة في ظل تحمّل العديد من النساء لمسؤوليات إعالة الأسرة في بيئات تفتقر إلى الاستقرار وفرص العمل.
كما تواجه النساء المهجّرات مخاطر إضافية تتعلق بالأمان الشخصي والتنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية، سواء داخل المخيمات أو خارجها، ما ينعكس مباشرة على قدرتهن على المشاركة في الحياة العامة أو الوصول إلى فرص متكافئة في العمل والدعم. ويعزز غياب آليات حماية حسّاسة للنوع الاجتماعي من استمرار هذه الهشاشة ويحدّ من فعالية الاستجابة.
تؤكد هذه التوصية على ضرورة ضمان مشاركة النساء المهجّرات بشكل فعّال في مسارات صنع القرار والحوار المجتمعي، وعدم اختزال أدوارهن ضمن الإطار الإنساني أو الإغاثي فقط، باعتبار أن إشراكهن عنصر أساسي في بناء حلول أكثر عدالة وشمولاً.
• توثيق الانتهاكات كجزء من مسار الحل وإنشاء منصات حوار وتفاعل محلية
يشكّل توثيق الانتهاكات المرتبطة بالتهجير القسري خطوة أساسية ضمن أي مسار جاد للحل، ليس فقط من منظور حفظ السجلات، بل باعتباره مدخلاً ضرورياً لفهم حجم الضرر، وتحديد المسؤوليات، وبناء مسار عادل لجبر الضرر والمساءلة. ويشمل ذلك توثيق الانتهاكات التي تعرض لها المهجّرون والمهجّرات في مختلف مراحل التهجير، بما في ذلك انتهاكات الملكية، والتغيير الديمغرافي، ومحدودية الوصول إلى الحقوق الأساسية.
كما تبرز الحاجة إلى إنشاء منصات حوار وتفاعل محلية آمنة ومنتظمة، تتيح للمهجّرين والمهجّرات التعبير عن مطالبهم/ن بشكل جماعي ومنظم، وتعزز التواصل بينهم/ن وبين الفاعلين المحليين والمؤسسات المعنية. وتساهم هذه المنصات في تحويل النقاشات من مستوى الشكوى الفردية إلى خطاب جماعي قادر على التأثير في السياسات وصنع القرار. حيث تعد التوثيق والحوار أدوات مترابطة لدعم الحقيقة، وتعزيز المشاركة، وتمهيد الطريق أمام حلول أكثر عدالة واستدامة لقضية التهجير القسري.
• تبنّي مقاربة العدالة كشرط أساسي للاستقرار
تتطلب معالجة قضية التهجير القسري الانتقال من المقاربات الجزئية أو المؤقتة إلى مقاربة شاملة قائمة على العدالة، باعتبارها شرطاً أساسياً لأي استقرار مستدام. ويشمل ذلك الاعتراف بالانتهاكات التي رافقت عمليات التهجير، والعمل على معالجتها ضمن إطار واضح للعدالة الانتقالية، بما يضمن جبر الضرر، والمساءلة، والحق في معرفة الحقيقة.
كما ترتبط هذه المقاربة بضرورة عدم فصل الاستقرار السياسي والأمني عن مسارات الإنصاف، إذ إن أي استقرار لا يقوم على معالجة جذور الانتهاكات يبقى هشاً وقابلاً للتراجع. وفي هذا السياق، تعد العدالة مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة والجهات المعنية، وتمهيد الطريق أمام حلول مستدامة لقضية التهجير القسري، وفي مقدمتها الحق في العودة الآمنة والطوعية والكريمة.
مسارات المسؤولية وآليات تحويل التوصيات إلى التزام قابل للتنفيذ
انطلاقاً من مبدأ المساءلة المشتركة، تؤكد مبادرة «أصوات مهجَّرة» أن تنفيذ التوصيات الواردة في هذا التقرير يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار والمسؤوليات بين الجهات المعنية، إلى جانب آليات متابعة تضمن عدم بقاء هذه التوصيات في إطار الخطاب النظري.
• على المستوى السياسي والمؤسساتي
تتطلب الاستجابة الفعّالة لقضية التهجير القسري التزاماً واضحاً من الجهات السياسية والمؤسساتية، بما في ذلك الحكومة السورية الانتقالية والإدارة الذاتية الديمقراطية واللجان المعنية بمسارات التفاهم والاندماج، نحو وضع أطر زمنية محددة لتنفيذ إجراءات العودة والمعالجة. ويشمل ذلك إدماج قضية المهجّرين والمهجّرات ضمن المسارات السياسية الجارية باعتبارها قضية حقوقية غير قابلة للتجزئة، وضمان إشراكهم/ن بشكل مباشر في تصميم السياسات المتعلقة بمستقبلهم/ن، بما يعزز الشفافية ويعيد بناء الثقة المفقودة.
كما يتطلب هذا المستوى معالجة الجوانب الأمنية المرتبطة ببيئة العودة، وضبط أي ترتيبات غير مستقرة، إلى جانب إنهاء الحالة الفصائلية بما يضمن بيئة آمنة ومحايدة ومستدامة. وفي السياق ذاته، يشدد على ضرورة التعامل مع ملف المهجّرين والمهجّرات كقضية حقوقية مستقلة، لا كأداة تفاوض أو ملف مرحلي.
• على مستوى العدالة والمساءلة
يشكّل إطلاق مسار واضح للعدالة الانتقالية أحد المرتكزات الأساسية لأي استجابة مستدامة، بما يشمل جبر الضرر والتعويض والمساءلة، وحماية الملكيات، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات والمعرفة. كما تبرز الحاجة إلى وضع آليات متابعة واضحة للالتزامات المعلنة، وتفعيل أدوات رقابية مستقلة تضمن عدم بقاء التوصيات دون تنفيذ، إلى جانب تعزيز التوثيق القانوني باعتباره جزءاً من مسار إنصاف شامل لضحايا التهجير القسري.
• على المستوى المجتمعي
تبرز أهمية إشراك القيادات المحلية والدينية والمجتمعية والثقافية في جهود إعادة الاستقرار وبناء الثقة بين مكونات المجتمع. كما يتطلب هذا المستوى تعزيز الشفافية والتواصل مع المجتمعات المتأثرة بالتهجير بوصفه مدخلاً أساسياً لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والسكان.
وفي السياق ذاته، تعد إتاحة المجال أمام المنظمات المدنية والحقوقية لإجراء زيارات ميدانية وتقييمات مستقلة خطوة أساسية لتعزيز المساءلة، إلى جانب تطوير منصات حوار محلية آمنة ومنتظمة، بما يتيح التعبير الجماعي عن المطالب وتحويلها إلى أدوات تأثير في السياسات العامة.
• على المستوى الاقتصادي والخدمي
تتطلب الاستجابة الشاملة معالجة جذور الهشاشة الاقتصادية عبر إنشاء صندوق خاص لدعم العائدين والعائدات وتعويض المتضررين والمتضررات ضمن مسار عادل لجبر الضرر، إلى جانب دعم برامج سبل العيش وتحسين فرص العمل. كما تبرز الحاجة إلى تطوير برامج “المال مقابل العمل” كمدخل لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وربط الدعم الإنساني بمسارات تمكين حقيقية تقلل من الاعتماد الطويل على المساعدات وتدعم الاستقلال الاقتصادي للأسر المهجّرة.
وفي هذا الإطار، تعتمد المبادرة على استخدام التقرير كأداة مفتوحة للتداول والمساءلة، وربطه بالمساحات الحوارية والإعلامية، بما يتيح متابعة مدى استجابة الجهات المعنية للتوصيات الواردة فيه. وتؤكد أن استدامة الأثر لا ترتبط بزمن التنفيذ فحسب، بل بقدرة هذا التقرير على التحوّل إلى مرجع حيّ في النقاش العام والسياسات المحلية.
• على مستوى الفاعلين/ات المحليين/ات والمنظمات
يبرز دور المنظمات المدنية والحقوقية في دعم برامج سبل العيش، وتعزيز آليات المساءلة، والمساهمة في تطوير أدوات حوكمة مسار العودة، من خلال إنشاء آليات رقابة مستقلة وواضحة وتشكيل لجان متابعة، بما يعزز الشفافية ويضمن الوصول إلى المعلومات.
كما تؤكد هذه المقاربة أهمية دعم المناصرة الحقوقية لقضية المهجّرين/ات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بما يضمن إبقاء القضية حاضرة في الأجندات السياسية والإنسانية، وتحويلها من ملف طارئ إلى قضية حقوقية مركزية قابلة للمتابعة والمساءلة.
الخلاصة
تمثل هذه الورقة امتداداً لمسار مناصرة يسعى إلى تثبيت قضية التهجير القسري كأولوية حقوقية، وتحويل الصوت المجتمعي إلى أثر فعلي على مستوى السياسات وصناعة القرار. وتؤكد نتائجه أن العودة الآمنة والطوعية والكريمة ليست خياراً سياسياً مؤجلاً، بل حق قانوني وأخلاقي غير قابل للتجزئة، يتطلب إجراءات واضحة وضمانات عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة والمساءلة.
وقد أسهمت هذه المرحلة في إحداث تحول نوعي في طبيعة التعبير والمشاركة، من أصوات فردية متفرقة إلى خطاب جماعي منظم يعكس مطالب حقوقية واضحة ومترابطة، انطلقت من التجارب المعيشة للمهجّرين والمهجّرات، وكشفت عن واقع تهجير ممتد لم يعد فقط حالة طارئة أو مؤقتة، أنما بنية مستمرة من الهشاشة تتراكم آثارها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية مع مرور الوقت.
وتشير مخرجات هذا المسار إلى أن استمرار التعامل مع قضية التهجير القسري كملف إنساني ظرفي، ساهم في تكريس أوضاع غير مستقرة داخل المخيمات ومراكز الإيواء والمجتمعات المضيفة، وعمّق حالة انعدام الأمان وتراجع فرص الاستقرار والاندماج، في ظل غياب معالجات جذرية تستهدف أسباب التهجير لا نتائجه فقط.
كما تبرز هذه الورقة أن التحديات التي يواجهها المهجّرون والمهجّرات تتجاوز البعد الخدمي أو الإنساني، لتشمل قضايا التمثيل، والعدالة، والمساءلة، والحق في المشاركة وصنع القرار، وهي عناصر مترابطة تشكل مجتمعة أساس أي استجابة مستدامة وعادلة.
وفي هذا السياق، تؤكد “أصوات مهجّرة” أن الاستماع إلى أصوات المتأثرين بالتهجير خطوة ضرورية، لكنها غير كافية ما لم تترجم إلى التزامات سياسية وقانونية واضحة، تعيد الاعتبار للحقوق، وتواجه التهميش البنيوي، وتفتح مساراً عملياً نحو العدالة والإنصاف.
وتخلص الورقة إلى أن أي استجابة مستقبلية لقضية التهجير القسري يجب أن تنطلق من مقاربة شاملة قائمة على الحقوق، تضع في مركزها ضمان الكرامة الإنسانية والأمان والمشاركة الفعلية، والعودة الطوعية الآمنة، بعيداً عن الحلول المؤقتة والتجاذبات السياسية، وبما يعيد بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة والجهات المعنية بمستقبلها.
للاطّلاع على الورقة كاملة بصيغة PDF، يُرجى النقر هنا.
